محمد جواد مغنية

287

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : سار معاوية بجيشه حتى انتهى إلى صفين ، فعسكر على شريعة الفرات ، وأقبل جيش الإمام ونزل بإزاء أهل الشام ، فمنعوهم من الماء ، وأرسل الإمام سفراءه إلى معاوية يطلبون اليه أن يخلي الماء حرا للجميع ، فأصر على الامتناع ، وقال له ابن العاص : إن عليا لن يظمأ وأنت ريان ، فأعرض ونأى ، وبعد اليأس قال الإمام لأصحابه : ( قد استطعموكم القتال ) أي ان معاوية وجيشه يطلبونكم للقتال ، فتهيأوا له وإلا ( فقرّوا على مذلة وتأخير محلة ) . إذا لم تجاهدوا بأرواحكم فقد تنازلتم عن كرامتكم واعترفتم بالذل على أنفسكم . ( أرووا السيوف من الدماء ترووا من الماء ) . لقد أبى عدوكم إلا أن يميتكم عطشا ، أو تأخذ السيوف من دمه مأخذها ، واذن هو الذي أباح لكم دمه ( فالموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين ) . فرق بعيد بين ان تعيش مع وحش كاسر لا يرضيه إلا ارغامك وإذلالك ، وبين أن تموت قاهرا لهذا الوحش في سبيل كرامتك . . ان موتك هذا هو الحياة ، وحياتك تلك هي الموت بالذات . . ولا أعرف صورة لكرامة الانسان أكثر إشراقا من هذه الصورة : « الموت في حياتكم مقهورين » قهر المذلة والرق والغلبة ( والحياة في موتكم قاهرين ) لأعدى أعدائكم وأعداء اللَّه والانسانية . . أبدا لا فرج ولا كرامة إلا بالاستماتة لردع الطغاة العتاة . ( ألا وان معاوية قاد لمّة من الغواة ، وعمس عليهم الخبر ) . كان ينشر قميص عثمان ويتظلم للحق والعدل كذبا ونفاقا ، وصدقه أهل الشام ( حتى جعلوا نحورهم أغراض المنيّة ) وقتلوا أنفسهم لأجل معاوية وبدعه ومفترياته . وبعد هذه الخطبة أو هذا التحريض مال جيش الإمام على أعدائهم ، واضطروهم إلى ترك الشريعة ، فسيطر عليها الإمام ، وألح عليه جماعة من أصحابه أن يمنع معاوية من الماء كما منعه ، فأبى وقال : ان اللَّه سبحانه أجرى هذا الماء ليشرب منه الجميع ، لا ليستأثر به فريق دون فريق .